أفياء

نحن والآخرون
رحاب حمراى

صديقتي قدمت استقالتها غير نادمـة من المؤسسة المالية التي تعمل فيها، وكانت قد وصلت إلى درجة قيادية باجتهادها، ووضع مالي أقل ما يقال إنه مريح، وامتلكت بيتاً يحسدها عليه الكثيرون.. هاتفتني مرة وهي تجأر بالشكوى من رب العمل وظلمه لها، وما لبثتُ أن سمعتُ باستقالتها، وتخليها عن كل ذلك النعيم !

المذيعة المشهورة التي منحها الله كل ما تشتهي وترغب.. مال وجمال وأسرة مستقرة وأبناء نجباء، حدثتني مرة عن مشاكلها في العمل وتآمر زميلاتها عليها، واستهداف زملائها!

كثير من الناس اعتاد على الشكوى والتبرم من كل ما حوله ومن حوله، حتى تقول أن لا شيء يعجبه أو يثير اهتمامه، قلت لنفسي :
كل من لاقيت يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن؟

أحد أقربائي مدير لشركة صغيرة وتحت إمرته عدد من الموظفين، كان يشكو باستمرار من كثرة الأعمال والأعباء التي تثقل كاهله، وأنه لا يجد وقتاً لقراءة الصحف أو مشاهدة التلفزيون، وكنت وقتها قد فقدت وظيفتي كرئيس تحرير لصحيفة (نون) بعد توقفها، والفراغ يقتات أيامي، فأنشدت أبيات العقاد الشهيرة:

وخال يشتهي عملاً ** وذو عملٍ به ضجرا
ورب المال في تعب ** وفي التعب من افتقرا
شكاةٌ مالهم حكمٌ ** سوى الخصمين لو حضرا

فأطربته هذه الأبيات وأصبح كثيراً ما يتمثل بها.
كل منا لا يرضى بواقعه ويتطلع لما في يد غيره، وفي ظننا دائماً أن ما ما لدى الآخر أفضل مما لدينا، وأشار إلى هذا أحد المفكرين بقوله: (الآخرون هم الجحيم). وأشار القرآن الكريم لهذا في أكثر من موضع وآية: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبعض الناس يعتقد أن إبداء الشكوى وإظهار التسخط به ضعفٌ وخور واستكانة، ويقولون كما يقول كامل الشناوي:
أنا لا أشكو، ففي الشكوى انحناء
وأنا نبض عروقي كبريـاء

تصوراتنا عن الآخرين دائماً مثالية وتجنح للخيال.. فهم أكثر منا سعادةً، وهم أفضل منا في كل شيء.. ونحن دائماً في حالة مقارنة ومفاضلة بيننا وبين الآخرين، مردها عدم قناعتنا بما بين أيدينا وتحت أبصارنا !

والروشتة التي يقدمها علماء النفس والفقهاء، هي أن تنظر إلى من هم دونك، ولا تنظر إلى من هم فوقك، وتتأمل ما أنت فيه من نعمٍ ظاهرة وباطنة، وتحمد الله عليها وتحمل معك زاد الصبر، وانتظار الفرج والدعاء.

تعليق 1
  1. محمد ابراهيم يقول

    مقال رصين و ممتاز يا استاذة ،،، إن أكثر ما يؤخر الناس والمجتمعات هوالحسد والبغضاء و الكفر بالنعم و نسيان فضل الله علينا و شكره ،،، ولئن شكرتم لأزيدنكم و أعتقد أن العكس صحيح مائة بالمائة بمعنى ولئن لم تشكروا لأخذن منكم ما أعطيت ولو كان قليل ونذر يسير وهو ما يحدث حولنا أفلا تبصرون أفلا تعقلون أفلا تتفكرون ،،، اشكروه على جزيل نعمائه يزدكم ،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.