السفير محجوب محمد عثمان يكتب : عبقرية الازهري

 

عوامل شتى تجمعت لتجعل منه زعيماً في قامة رصفائه من الزعامات الإفريقية إبان فترة التحرر الوطني والانعتاق من قبضة الاستعمار. زعماء عقد الخمسينيات أمثال كوامي نكروما، أحمد سيكوتوري والملك محمد الخامس. عوامل حباه الله بها من تخصص في علوم الرياضيات بكلية غردون وأثناء دراسته بالجامعة الأمريكية ببيروت، مما أكسبه ذهنية برجماتية لا تقبل الميل الى الخيال والأحلام، وساعده صبره وقوة احتماله حتى أن بعض معاصريه أفادوا أنه يصلي العشاء بضوء الفجر. ولكن العامل الأهم كان هذه الكوكبة من الرجال الذين التفوا حوله. إنهم نجوم الحركة الوطنية الساطعة وشموسها المضيئة، أمثال مبارك زروق في بلاغته والمرضي في دهائه وخضر حمد في حنكته ويحيى الفضلي في دينماتيكيته وغيرهم من خريجي مدرسة مؤتمر الخريجين الذائعة الصيت.
وتجلت عبقرية إسماعيل الأزهري وهو يجد نفسه أمام دفة القيادة لأمة في أحرج مراحل تخلقها وهي مرحلة تقرير المصير. أمة منقسمة على نفسها، وحكومة تمور وتفور دواخلها بالاختلافات، ومعارضة تضغط وأحياناً تقسو. ولكنه استطاع بوصفة سحرية أن يجعل من المتضادين النقيضين واجهة للتمازج والالتئام. استطاع أن يجعل سفينة الوطن تستوي على الجودي بعد أن تقاذفتها الأمواج وتناوشتها الأنواء. جمع البلاد على هدف واحد في لحظة من لحظات الإجماع الوطني الخالص. تلك هي أهمية الزعامة، فالشعب مهما اعتملت في دواخله التطلعات إنما هناك قوى مبددة بل ربما قوى تأكل بعضها بعضاً إن لم تستقطبها شخصية الزعيم.
ولكن السؤال الذي ظل يجول في الأذهان: كيف تحول الأزهري من الاتحاد مع مصر الي الاستقلال التام؟ البعض يقول إنه لم يكن وحدوياً وكان يستتر خلف ذلك ليكسب دعم مصر للتخلص من الأنجليز. ولكن قرائن الأحوال تظهر أن الرجل كان وحدوياً حتى النخاع، إلا أن تأثيرات هائلة أبعدته من موقعه تجاه النقيض. هل كانت البداية هناك في فندق سميراميس حين اندمجت الأحزاب الاتحاادية بضغط من نجيب وخرج على ذلك الإجماع اثنان من خصوم الأزهري هما أحمد خير وخضر عمر؟ بل إن أحمد خير كان منافسه في الزعامة، كيف لا وهو صناجة مؤتمر الخريجين وصاحب فكرته. أم هي الخلافات التي نشأت داخل الحزب بعد وصوله للسلطة واستقالة الفرسان الثلاثة: محمد نور الدين وكيل الحزب ووزير الأشغال وميرغني حمزة وزير المعارف والزراعة والري وخلف الله خالد وزير الدفاع. تلك الاستقالات التي ظهر الحزب بعدها وكأن العواصف تهب عليه في كل اتجاه. أم يا ترى هي تحركات الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة المصري الذي يقال إنه يأتي بالأموال في طائرته الخاصة كلما حط الرحال في الخرطوم. أم هو التمرد في الجنوب وموت مئات الشماليين الأبرياء بلا شفقة ولا رحمة، وبعدها المحاكمات التي طالت قيادات جنوبية عسكرية ومدنية، والحديث من نواب جنوبيين في البرلمان عن إقرار علاقة فدرالية في مستقبل الحكم بين الشمال والجنوب؟ أم لعلها استقالة الحاكم العام السير نوكس هولم المفاجئة، مما أربك حسابات دولتي الحكم الثنائي مصر وبريطانيا، وهما الدولتان الراعيتان لاتفاقية الحكم الذاتي. بل ربما هي ما أصاب اللواء نجيب من ظلم وعزل وهو المحبوب عند الشعب السوداني بكل طوائفه وأحزابه ومنظماته. أم هي أحداث أول مارس ذلك الجرح الغائر الذي كرس للعداء السافر بين دعاة الوحدة ودعاة الاستقلال. ورغم ما ذكرت فهناك عاملان أكثر أهمية كان لهما تأثيرهما المباشر على إسماعيل الأزهري ليتجه نحو الاستقلال بدلاً من الوحدة مع مصر.
العامل الأول هو مشاركة السودان في مؤتمر «باندونق». فقد سافر الأزهري على رأس وفد يضم مبارك زروق وزير المواصلات وحسن عوض الله وزير الزراعة وعدداً من المختصين والفنيين. وحطت طائرته في إديس أبابا وقضى يومين في ضيافة الأمبراطور هايلي سلاسي، وبعدها الى «عدن» في اليمن الجنوبي آنذاك، ثم الى «دلهي» حيث اجتمع بالزعيم الهندي جواهر لال نهرو، ثم الي «كراتشي» والتقى برئيس وزرائها محمد علي، وأخيراً الى «جاكارتا» عاصمة أندونيسيا وكان في استقباله الرئيس أحمد سوكارنو. وشاركت في المؤتمر «29» دولة وقبل بداية الجلسة الافتتاحية اعترض الوفد المصري على وجود الوفد السوداني برئاسة الأزهري داخل المؤتمر، باعتبار أن السودان لم يزل تحت الحكم الثنائي، واقترحوا على الأزهري الانضمام للوفد المصري برئاسة عبد الناصر، ولكن الأزهري رفض مجرد الحديث عن ذلك. ويقول السفير خليفة عباس العبيد مرافقه في تلك الرحلة بوصفه مديراً لمكتبه: أخرج الرئيس الأزهري منديله الأبيض من جيبه وكتب عليه بقلم الحبر Sudan وعلقه في شكل علم وجلس خلفه، وهكذا تمكن السودان من المشاركة في مؤتمر «باندونق» الذي يعتبر نقطة تحول في تاريخ دول العالم الثالث.
وعاد الأزهري من «جاكارتا» عن طريق بيروت، ووجد استقبالاً حافلاً من الحكومة اللبنانية والجالية السودانية، ثم واصل رحلته عن طريق القاهرة التي تجاهلته ولم يستقبله أحد من رجالات القيادة فيها.
وعاد الأزهري وبدأ رحلة طواف لمعظم مديريات السودان مستطلعاً آراء المواطنين حول تقرير المصير. وحدثني الشرتاي منصور عبد القادر أن الأزهري كان يسأل المواطنين والقيادات سؤالاً واحداً: هل تقف مع الاتحاد أم الاستقلال؟ لقد ساعدتني الظروف أن أتحدث في هذا الأمر مع بعص قيادات الحزب الوطني الاتحادي، وكانت إجاباتهم مطابقة لحديث الشرتاي منصور. وأذكر منهم العم سليمان عباس أحد قيادات الحزب في أم درمان ومن المقربين للرئيس أزهري، كما أذكر إفادات السيد حسن عوض الله حين التقيته بلندن في خريف 1980م، وأيضاً إفادات القطب الاتحادي إبراهيم جبريل الذي كان يعتبر خزينة أسرار الرئيس.
أما العامل الثاني والمهم فهو لقاء السيدين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، فرغم عمق الشقاق بينهما حينما أحسا بجماهيرية الأزهري وصعوده نحو الانفراد بالزعامة، اجتمعا واتفقا على تشكيل الحكومة القومية كترياق مضاد يبعده من الواجهة، وقد بدأ المخطط بسحب الأغلبية من حكومته بالتدريج حتي صارت تتمتع بأغلبية ضعيفة نائب أو نائبين فقط في البرلمان.
وكانت اتفاقية الحكم الذاتي واضحة المعالم: تنظيم الانتخابات وقيام برلمان وحكومة انتقالية لتنفيذ السودنة والجلاء، ثم تليها الخطوة الأخطر وهي الاستفتاء حول تقرير المصير، ثم انتخاب جمعية تأسيسية لإقرار دستور دائم. وكان الأزهري يعلم أن طريق الاستفتاء والانتخابات طويل ووعر وربما يسحب البساط منه، وكان عليه التفكير في البديل الذي يوافق عليه الشعب كله ويجبر الساسة كلهم بما فيهم خصومه وما أكثرهم ودولتي الحكم الثنائي مصر وبريطانيا على قبول الأمر الواقع.
ففي يوم الخميس 15 ديسمبر في جلسة عادية وهادئة بمجلس النواب، سأل النائب يعقوب حامد بابكر رئيس الوزراء إذا كانت حكومة السودان أعطت بريطانيا وعداً بمنحها قاعدة جوية بالسودان، وأجاب الأزهري: كلا ثم كلا. ويبدو أن الإجابة لم تقنع النائب الجنوبي بولين ألير فسأل إن كانت «كلا» هذه تنطبق على أمريكا، فأجاب الأزهري: ليس من حق حكومتي عقد أحلاف عسكرية أو منح قواعد لأية دولة من الدول. إن مهمة حكومتي تقتصر على السودنة والجلاء والاستقلال، وقد حققنا الأول والثاني وسنعلن الثالث وهو الاستقلال من هذا البرلمان ومن داخل هذه القاعة يوم الإثنين القادم 19 ديسمبر إن شاء الله، وأضاف: أرجو أن تنتهي المفاوضات بين الأحزاب سريعاً ويتم اتفاق ونتمكن يوم الإثنين القادم من إجازة قرار الاستقلال بالإجماع . وكان هذا الرد على سؤال النائب كالقنبلة التي انفجرت، وكانت الجملة الأخيرة هي إنذار للقوى السياسية ثم تسارعت الأحداث، فأحزاب المعارضة وافقت على المقترح دون تحفظ ثم تلتها باقي الأحزاب. ومصر بادرت في نفس اليوم وأعلنت موافقتها المطلقة، وطلبت من الأزهري إرسال أحد وزرائه للتشاور حول الترتيبات، ولم ينقض نهار اليوم التالي حتى كان محمد أحمد المرضي في القاهرة
وهكذا أصبحت فكرة الحكومة القومية في مؤخرة الأحداث بعد أن كانت تتصدرها، وتراجعت أخبار لقاء السيدين ونتائجها الى الصفحات الداخلية، وصار الحديث عن يوم الإثنين هو الخبر الرئيس، وتفردت تصريحات إسماعيل الأزهري بالاهتمام عند الصحافة العالمية والمحلية ووكالات الأنباء.
المكان: مجلس النواب، الزمان: الإثنين 19 ديسمبر 1955م.
الجلسة: رغم «23» من دورة الانعقاد الثالثة، والقاضي بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب يفتتح الجلسة، وفي بدايتها تقدم العضو ميرغني حسين زاكي الدين باقتراح يعطي الاعتبار الكافي لمطالب الأعضاء الجنوبيين لحكومة فدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث، وثنى الاقتراح السيد بنجامين لوكي ووافق عليه السيدان محمد أحمد محجوب زعيم المعارضة ومبارك زروق زعيم الأغلبية. وفاز الاقتراح بالإجماع. ثم تقدم النائب عبد الرحمن محمد إبراهيم دبكة باقتراح أن يكون السودان دولة مستقلة كاملة السيادة، وثنى الاقتراح النائب مشاور جمعة سهل ووافق عليه في كلمتين رصينتين السيدان المحجوب وزروق وفاز الاقتراح بالإجماع. وتقدم النائب محمد جبريل سليمان باقتراح قيام مجلس لرأس الدولة من خمسة أعضاء وثناه النائب جوشا لوال وفاز الاقتراح بالإجماع. وتقدم النائب محيي الدين الحاج محمد بمقترح قيام جمعية تاسيسية لوضع الدستور الدائم وثناه النائب حماد أبو سدر وفاز الاقتراح بالإجماع. وانتهت الجلسة التاريخية في تمام الثانية عشرة ظهراً.
وكانت الجماهير كما أبانت صحيفة «الرأي العام» الصادرة في صباح الثلاثاء 20 ديسمبر، كانت قد تجمعت منذ إشراقة شمس ذلك اليوم كتلاً بشرية لتسد الطرقات متدفقة نحو البرلمان، وهتافها المدوي يشق عنان السماء: عاش السودان حراً مستقلاً.
وفي غمرة الفرح اجتمع مجلس الوزراء مساءً لاتخاذ التدابير اللازمة لإعلان الاستقلال رسمياً، واتضح أن الأمر يحتاج لكثير من الجهد والعمل، إذ لابد من الإسراع في انتخاب رأس الدولة حتى يعترف العالم بالدولة الوليدة. ولا بد من دستور مؤقت تحكم به البلاد بعد انتهاء أمد الاتفاقية. ولا بد من نشيد وطني، ولا بد من علم يرفع على سارية القصر عند إنزال علمي الحكم الثنائي. ولا بد من وزارة للخارجية على رأسها وزير مقتدر، وتدريب عدد من السفراء لتعيينهم لدى الدول التي ستعترف بدولة السودان. أنه لا بد من الكثير في ظرف وجيز.
وتسارعت الخطى، وتكونت عشرات اللجان، وانخرط الجميع حكومة ومعارضة في عمل دؤوب استعداداً لصباح الأول من يناير 1956م.

التعليقات مغلقة.