الزبير سعيد يكتب : صلاح حاج سعيد ..(المسافة) بين الشجن الأليم والحزن النبيل…!!

 

لم أجد شاعرا سودانيا يشبه قصائده مثل الاستاذ صلاح حاج سعيد الذي كان يكتب الشعر بمداد الصدق ويسطره على أوراق تنافس في لونها بياض روحه الشفافة…

لقد جمعتني بالراحل العزيز الشاعر المختلف صلاح حاج سعيد علاقة امتدت لسنوات وكنت كلما التقيته اكتشفت جانبا أعمق في نظرته الإنسانية الأشياء، وكان عندما يتألم لموقف ما تتغير نبرة صوته وتمتليء عينها بالدمع..

كان كبيرا حتى في حزنه الذي لم يكن يتحدث عنه ولا يتوقف عنده ولكن عندما يكتب الشعر كان ذلك الشلال من الشجن يتمرد عليه ويعلن عن حضوره وبالمقابل كان الشاعر صلاح حاج سعيد يجتهد كثيرا حتى لا ترتسم ملامح الحزن على وجهه النضير…

في فترة من الفترات كنا نلتقي بصورة يومية بمكتب صحيفة الحياة بعمارة الضرائب القديمة ولا نفترق إلا في بعد الرابعة عصرا ، وكان لا يعود إلى منزله إلا وهو يحمل معه (رغيف الخبز ) لوجبة الغداء…

كان قليل الكلام ..شديد الاهتمام بالآخرين، وأن تحدث فإنه يهمس وذلك من ابرز علامات تعامله الراقي مع الجميع..

ذات نهار شديد الحرارة ، اجتهدت كثيرا في إقناعه بأن يقبل دعوتي له بأن نتناول (كوبين من عصير البرتقال )بكافتريا تقع جنوب عمارة دوسة مملوكة لبعض اخوتنا من الأقباط…

دلفنا إلى داخل الكافتريا وطلب أن نجلس في مكان لا تصطاده عيون المعجبين، وانا منهمك في احتساء عصير البرتقال لاحظت أنه شارد الذهن ، بعيد التفكير …سألته…في شنو يا استاذ ما لك سارح بعيد ؟

أجابني بطريقته الودودة :بالله شوف الشباب ديل ..الواحد قاعد مع حبيته ومشغول بحل الكلمات المتقاطعة، بينما جيلنا والأجيال السابقة كانوا يتمنون لمحه من المحبوب ليكتبوا عشرات القصائد …

ضحكنا ، ثم غادرنا المكان دون أن نمتلك اي رغبة في العودة اليه مرة اخرى…

من المواقف التي لن تسقط من ثقب الذاكرة اننا كنا معا وفي حضور عدد من الأصدقاء أبرزهم الراحل محمد طه القدال وصلاح شعيب بدرالدين عجاج عليه رحمة الله، يومها كنا نشهد إحياء الذكرى السنوية لمصطفى سيد احمد بنادي الموردة بامدرمان وكانت فرقة ساورا على خشبة المسرح عندما تعرض الاحتفال لهجوم عنيف دون إي مقدمات وتم الاعتداء على أعضاء فرقة ساورا لدرجة تمزيق ملابسهم ..

في ذلك اليوم خرجنا من موقع الاحتفال بصعوبة بالغة بعد ان ساد الهرج والمرج…

ما حدث يومها جعل الاستاذ صلاح حاج سعيد في حالة من الاستياء الشديد والذي عبر عنه بعبارات مقتضبه وغاضبة في ذات الوقت.

ذات المشهد تكرر معنا في الحصاحيصا،بعد عام واحد وكنا نحتفي ايضا بذكرى الراحل مصطفى سيد احمد ولكن بصورة مختلفة إذ بدأت حملة اعتقالات للشعراء الذين كانوا يشاركون في الأمسية وعندما انتشرت تلك المعلومات كان الشاعر صلاح حاج سعيد على خشبة المسرح فلم يتردد وهو يرفض ذلك الأسلوب القمعي.

سألته مرة عن سر تميز الحان الأغنيات التي كتبها لمصطفى سيد احمد وقلت له أنني أشعر بأنه كان يتعامل مع القصائد التي يكتبها له صلاح حاج سعيد وقاسم ابوزيد ويحي فضل الله بحميمية كبيرة ، ولأنه كان مهذبا لدرجة تفوق الوصف فقال بعبارات:( لالا يا اخي..مصطفى يحتفي بكل القصائد التي تعجبه ولكن لاننا اصدقاء لذلك يبدو لك ذلك الامر).

صلاح حاج سعيد كان أحد الشعراء الذين هاجمتهم بعنف عقب تعامله مع الملحن علي احمد بين قوسين (صلاح ادريس )وقلت له كيف لشاعر تغنى له عمالقة الغناء محمد ميرغني متعه الله بالصحة والعافية والبلابل وغيرهم منح قصائده لملحن تقليدي تدور ألحانه في فلك دائرية فترة الخمسينيات كما قال وردي عليه الرحمة…

في ساعة متأخرة من مساء أحد الأيام وكنا وصديقي ياسر عركي في ضيافة أسرة الأستاذة الشاعرة سعدية عبد السلام ..تلقيت اتصالا هاتفيا من الاستاذ صلاح حاج سعيد تحدثنا كثيرا حول ذلك الموضوع وشعرت يومها أن ما كتبته قد جعله يأخذ في خاطره ولكنا تجاوزنا الأمر لان الذي بيننا ظل أكبر من أن يفسده مقال عابر لا يعكس إلا وجهة نظر لشخص يحمل الكثير من الحب والاحترام لشخص صلاح حاج سعيد…

كان يزورنا في مكاتب صحيفة الخرطوم باستمرار وكنت أشعر بأنه صديق لكل أسرة الصحيفة بدءا من استاذنا الكبير فضل الله محمد ومرورا بالزملاء الاعزاء صلاح مصطفى وعركي ونوال سيد احمد ومشاعر عثمان ووجدان عبد الرحيم….

كثيرا ما طلبت منه كتابة زاوية في صفحة المنوعات بصحيفة الخرطوم ..استجاب في مرات قليلة ولكنه لم يكن متحمسا فلم اشا الضغط عليه …

قبل أيام علمت بعودته من القاهرة بعد رحلة استشفاء فذهبت إليه برفقة الشاعرة سعدية عبد السلام والأستاذة ايمان برير شقيقة صديقنا الشاعر الطيب برير والشاب المهذب (حذيفة)…

في ذلك اليوم استقبلنا ابنه محمد صلاح حاج سعيد بكل حفاوة ولم استطع السيطرة على دموعي في تلك اللحظة وحاول الاستاذ صلاح أن يتحدث معنا ولكن الصوت لم يسعفه بينما كانت عباراته وتعابيره التي يقولها بنظرات تغتسل بانقى دموع النبل والإنسانية تخترق افئدتنا وتعانق كل اللحظات الجميلة التي جمعتنا قبل سنوات وظلت تحتل أفضل المواقع في الذاكرة والوجدان…

لن انسى تلك اللحظة التي هممنا بالمغادرة وعندما امسك الاستاذ صلاح حاج سعيد بيدي بقوة وكانت دموعه تنهمر …لقد كان الفقيد وبحسه المرهف يودعنا ويقول باننا لن نلتقى مرة أخرى وربما كان يريد أن يوصينا على وطن احبه واخلص في إسعاد شعبه من خلال كل قصائده التي انحاز فيها لكل قيم الخير والحق والإنسانية…

لقد رحل شاعرنا الكبير صلاح حاج سعيد عن الدنيا الفانية ولكن أمثاله كتب لهم الخلود في كل الدواخل النقية….

دعواتنا له بالرحمة والمغفرة ولأسرته والشعب السوداني بالصبر الجميل…

التعليقات مغلقة.