أحقاً رحل سليمان؟

 

حينما تعلم أن أحد الأحباب يغالب الداء لبضعة أيام أو شهور فإن ذلك يخفف من وطأة الخبر.. ويجعل قلبك يتهيأ لألم الفراق ولوعة الرحيل… ولكن أن يموت النخلُ واقفاً فإن ذلك ينزع روح الإنسان من جوفه.. الموت هو الموت.. والفقد هو الفقد.. والحزن هو الحزن.. ولكن ما أشد الحزن والألم حينما تحادث أحد الأحبة.. ويمازحك وتمازحه.. وتنزعته المنايا من بين يديك في لمح البصر.. وتتلقى خبر رحيله بعد ساعات معدودات..
أحقاً رحلت أخي سليمان؟ لماذا هذا الجفاء الذي ما عهدناه فيك.. قل لي بربك كيف تهدّم ذلك الهيكل الشامخ؟ وكيف انفطر ذلك القلب الكبير؟ وكيف تبعثرت تلك المكتبة التي تحمل أسرار الصالحين والأنساب؟ ألم تقل لي بالأمس أنك حصلت على موسوعة الأنساب والقبائل؟ فمن يفسر لنا حواشيها بعدك؟ ألم تحدثني عن حدود الساقية بالأمس؟ فمن سيقوم بترسيم إحداثياتها لنا؟ ومن يتفقد الأيتام بعدك؟ أتركتهم ليذقوا طعم اليتم ومرارته لأول مرة؟ من يصل الأرحام.. وقد كنت ذلك الحبل السري الذي يربط بينها..
رحمك الله..أخي سليمان.. فقد كنت شقيق الروح.. والأخ الحبيب الذي تدمع عيناه لشوكة تشاكنا…أتذكر جلسات أنسنا حول صينية الشاي صباحاً؟ فمن يأتي بها ساعة الشروق؟ لقد كنت سليمان الذي أعرفه منذ الصغر لم يتغير في طبعه شيء… لم تنل منك السنين العجاف.. ولم تبطر بك الأعوام السمان.. . حباً وكرماً وأصالة.. من سينهض ويحث البنات على ترتيب الديوان قبل أن يحلّ الضيف؟ لا يهدأ لك بال أو تستريح حتى يخلد الضيف إلى مهجعه وتتفقد وسادته..
أتذكر أنسك وسمرك.. وضحكك.. ولا أتذكر فورة غضب على وجهك الطلق إلا في حق.. أتذكر رفقتك.. ورحلاتك في حلي وترحالي.. وحكاويك.. ولا أذكر تخاذلك مرة واحدة عن واجب..أو تأخرك عن جودية.. أين هي عصا موسى التي تهش بها على غنمك وتقول أن لك فيها مآرب أخرى؟ أحملتها معك إلى اللحد أم تركتها إرثاً للأحفاد نحكي لهم عن حكاياتها وصولاتها وجولاتها في المجالس؟ أين تلك الحقيبة التي جالت في أصقاع الدنيا برفقتك؟ هل سترتبها (رقية) من بعدك؟ وأين ذلك الدفتر وتلك الأوراق وأرقام الهواتف؟ أين ذلك التلفون المسكين الذي يرن آناء الليل وأطراف النهار.. لا لمصلحة شخصية.. بل لشأن عام في محاولاتك المستميتة لرفع شأن القرى المتحدة..كان ذلك هو دأبك ومسعاك..أيهون عليك أن تتركنا على قارعة الطريق حيارى دون دليل.. حتى دون كلمة وداع؟
أحسن الله عزاءنا في مصيبتنا، وأحسن الله عزاء الأهل.. والمنطقة والوطن.. ففقده تتسع دائرته شرقاً وغرباً وجنوبا وشمالاً.. اللهم أجرنا في مصيبتنا فهي أكبر من طاقة البشر.. ولكن الله الذي وسعت رحمته كل شيء.. (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).. فأنت عند مليك مقتدر.. يسكنك حيث يشاء في جنات النعيم –إن شاء الله – لا يغشى وجهك غبار ولا ذلة..اللهم أجزه بالإحسان احسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا.. يارحمن الدنيا ورحيمها..
(إنا لله وإنا إليه راجعون).
منقول
من صفحة أحمد عمران

التعليقات مغلقة.