دكتور ياسر محجوب الحسين يكتب :عبثية التغيير السياسي وتحطيم القناعات

أمواج ناعمة

عبثية التغيير السياسي وتحطيم القناعات

د. ياسر محجوب الحسين

 

 

 

يتميز العلماء وأصحاب الفكر المُتقد بمبادرات أو أفكار تبدو غربية وأحياناً مستهجنة للوهلة الأولى، ذلك ربما لأنها تفكير وعصف ذهني خارج الصندوق، وقد يكسر المسلمات القَطعية والتابوهات المقدسة.
والتفكير خارج الصندوق يعني حلاً جديداً أو فكرة جديدة لا سابق لها، وهي مهارة بالأساس ترتكز على القدرة على الإبداع. الأسبوع الماضي غرقت الأوساط السياسية والأكاديمية السودانية في بحر أطروحة قدمها أستاذ جامعي له نشاط فكري معلوم ومميز. البروفيسور إبراهيم أحمد أونور الأستاذ بجامعة الخرطوم، رجح في أطروحته بعنوان: “هل الديمقراطية مدخل لنهضة اقتصادية”، بأن الديمقراطية في السودان ستقود لمزيد من عدم الاستقرار السياسي والاضطراب المجتمعي، داعياً لنظام الحزب الواحد وما أسماه بالشمولية الواسعة، وذلك بتذويب كافة الأحزاب والكيانات السياسية في حزب واحد. ومضى أونور يؤكد أنه ليس بالضرورة أن تكون الديمقراطية مدخلا للنهضة الاقتصادية بل العكس في واقع كالواقع السوداني.
إذ أكد أن النهضة الاقتصادية والاستقرار السياسي يمكن أن يتحققا حتى في ظل نظام غير ديمقراطي، مضيفا إن ذلك الأمر ممكن أن يتحقق عبر نظام الحزب الواحد مع توسيع قاعدة المشاركة الشعبية وهو ما أطلق عليه نظام (الشمولية الواسعة).
فما الذي دعا الرجل للصدع بهذه الفكرة الجرئية؟، وهل صحيح أن هناك ما يعضد هذه الفكرة؟. اليوم تعيش البلاد حالة سيريالية من الفوضى والعبث السياسي وعدم الاستقرار، حيث عدم احترام القوانين والقيم، وكذلك عدم قدرة الدولة على حماية القوانين من أهواء السلطويين قبل أهواء العامة، فضلا عن إخفاقها في ضمان فعالية آليات استيعاب الصراعات داخل المجتمع الذي يحد من انتشار ثقافة العنف، وحالة عدم الاستقرار السياسي وفقا لعلماء السياسة هي “عدم قدرة نظام الحكم على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح وعدم القدرة على إدارة الصراعات القائمة، داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة وتناقص شرعيته وكفاءته من جهة أخرى”.
وفي ذات الوقت يستعر جدل علمانية الدولة التي يراد بها إعادة صياغة المجتمع والإنسان السوداني في الإطار المادي الغربي، وصولا إلى تنميط حياة الناس مع سيطرة وهم التحكم الكامل فيها بزعم أن ذلك من مقتضيات الديمقراطية. وربما راع ذلك العالم، أن دعاة الديمقراطية يطالبون أهل السودان باستبدال قيمهم وثقافتهم وموروثاتهم بالعلمانية باعتبارها شرطاً للديمقراطية.
ويقول دعاة العلمانية زاعمين بأن دولة المواطنة في إطار العلمانية تعني تساوي الجميع أمام القانون وهذا القانون المراد فرضه لا يستجيب ليس لحقوق ثلة من المواطنين فحسب وإنما لا يستجيب لحقوق الغالبية العظمى من المواطنين.
إن الديمقراطية من حيث المنشأ لم تكن فلسفة جاهزة الأسس، كاملة الآليات، حاضرة باعتبارها خيارا من بين خيارات فلسفية سياسية أخرى، وللمرء أن يأخذ بها أو يرفضها ويأخذ بغيرها، لكنها وليدة صراع مرير حقاً بين شعوب بجميع أطيافها، والقابضين على السلطة بمختلف محاورها، وقد كانت محصورة بين النبلاء من السياسيين وملاّك الأراضي، فلم يكن للعبيد، ولا الخدم، وللنساء، ولا للفقراء، الحق في الترشح، أو التصويت، فكل من كان لهم الحق في المشاركة السياسية في شؤون الدولة لم يكونوا يتجاوزون نسبة 20 % من مجموع السكان، فالديمقراطية كانت مقصورة على أصحاب النفوذ، لكن بما أن الديمقراطية وليدة ظرف سياسي واجتماعي خاص، فهي من المفاهيم التي لا تقف على سلم ثابت، ولا تأخذ شكلاً محدداً لا يمكن التغيير فيه.
وحتى النصف الأول من القرن الماضي كانت الديمقراطية مرتبطة بالعلمانية، والعلاقة بينهما كاللازم والملزوم، ولا شك أنها تخلّقت في رحم الغرب ونمت وترعرعت في حضنه، وقد أُشربت العلمانية فكراً، ومن ثمَّ ليس هناك بد من أخذها كما هي من غير فكّ للارتباط بينها وبين العلمانية، وبالتالي فإنها لا تتفق مع منهج آخر لاسيما المنهج القائم على حضارة وقيم، ويصرّ دعاة الديمقراطية بسمتها الغربي بأن يصبح علمانيا كل فرد أراد أن يكون ديمقراطياً.
لقد أثبتت التجارب أن كثيرا من العلمانيين، حكومات وأحزاباً، أن ممارسة السياسية لديهم ظلت ممارسة استبدادية، وأن جل همهم رفض وقمع الآخر المخالف في الفكر والدين، والعلمانيون الشرقيون على سبيل المثال في تركيا في عقود سابقة، استعملوا فوهات المدافع صوب الصناديق التي رشَّحت مناوئيهم. ونفس الحال في ممارسات حكومات عربية وإسلامية تتبنى النهج العلماني، فإنها لا تقبل بوجود تعددية إذا كان خصومهم طرفاً فيها، بل هناك أحزاب علمانية لم تصل إلى السلطة بعد، تدعو إلى منع قيام أحزاب بصيغة إسلامية، وعدم إعطاء الشرعية القانونية والمظلة الدستورية لها. على الرغم من أن في الغرب العلماني أحزابا دينية لها هياكل ومؤسسات ديمقراطية واضحة من القمة إلى القاعدة في داخلها، وفي ممارسة السلطة خارج إطارها، مثل الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، والحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي، ودولة الاحتلال الإسرائيلي تقودها اليوم أحزاب دينية في إطار دولة علمانية ديمقراطية.
عندما تم تسويق الأيديولوجيا العلمانية الديمقراطية في الوطن العربي وبقاع أخرى غير الفضاء الغربي، كانت هناك إشكالية تمثلت في التوفيق والمواءمة بين الأفكار التحررية في العلمانية الديمقراطية وبين حقيقة استلاب حرية الأمم والشعوب؛ حيث إن القيم الفاضلة والحرية مفاهيم لا تتجزأ، ولعل من عهدت إليهم تلك الأيديولوجيا للتبشير بها من أبناء أرض الاستنبات وهم ممن تأبطوا الفكر العلماني، تجدهم غارقين في نخبويتهم، متنكبين الطريق الموصلة إلى السلطة، بل في أحايين كثيرة فشلوا في تشكيل حتى جماعة ضاغطة وداعمة لما يبشرون به.
كما أنهم تقاعسوا في أحايين أخرى عن دعم من يشاركهم الهدف، فقط لكونهم يختلفون معهم سياسيا، إن البديل المطلوب نموذج حكم سياسي شوري يكافح غرائب النبت، وكذلك الحرص على العمل على نشر المفاهيم الوسطية وتحجيم ظاهرة التطرف والغلو.

التعليقات مغلقة.